الشيخ محمد علي الأراكي

112

أصول الفقه

من هذين الحكمين له إطلاق بالنسبة إلى فعل متعلّق الآخر وتركه ، فكأنه قيل : أنت مرخّص في هذا سواء تركت ذاك أم فعلته ، ومرخّص في ذاك سواء تركت هذا أم فعلته ، ولا إشكال أنّ الأخذ بهذا الإطلاق يوجب المحذور العقلي وهو الترخيص في المعصية والمخالفة القطعيّة كما هو واضح . فلا محيص عن رفع اليد عنه على قدر هذا المحذور وإبقائه في غيره ، فيصير المتحصّل من هذا هو الترخيص في أحدهما ؛ لأنّ الكلام بعد التقييد العقلي يصير بمنزلة أن يقال في الشبهة التحريميّة : أنت مرخّص في فعل هذا إن تركت ذاك ، وفي فعل ذاك إن تركت هذا ، وفي الشبهة الوجوبيّة : أنت مرخّص في ترك هذا إن فعلت ذاك وبالعكس ، ويكون المحصّل في الأوّل هو الرخصة في فعل أحدهما ، وفي الثاني في ترك أحدهما كما هو واضح . ثمّ هذا الشرط من الشروط المقارنة التي يحدث عند أوّل وجودها المشروط ، ولا إشكال في إمكانه كالشرط السابق واللاحق ، ألا ترى أن لو طلب العدو حين عدو الزيد فيكون عدو الزيد مقدّمة مقارنة لمطلوبيّة العدو ، بحيث يجب أن لا يؤخّر الفعل حتّى تحصل المقارنة ، ومن هذا القبيل أيضا الواجبات المعلّقة بالوقت الخاص مثل : إذا دخل الظهر فافعل كذا ، حيث إنّ الوجوب يحدث مقارنا لدخول الوقت لا متأخّرا عنه ، ومثل ذلك المقام ، حيث إنّ حكم الترخيص في فعل هذا يحدث مقارنا لترك ذاك وبالعكس ، أو في تركه مقارنا لفعل ذاك وبالعكس . فإن قلت : لا بدّ من رفع اليد عن هذا الإطلاق رأسا للمحذور المذكور ، والتقييد المذكور لا يوجب التفصّي عن المحذور ، للزومه معه في بعض الصور ؛ إذ يلزم في الشبهة التحريميّة ثبوت الترخيص في فعل كليهما في ظرف كون المكلّف تاركا لكليهما إلى الأبد ، وفي الوجوبيّة كونه مرخّصا في ترك الجميع على تقدير فعل الجميع ، لوضوح أنّ شرط كلا الترخيصين أعني ترخيص هذا وترخيص ذاك حاصل في هذا التقدير ، فيلزم المحذور في هذا التقدير ، فلهذا يجب رفع اليد عن الإطلاق رأسا .